عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
110
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وقد وافق الخطَّابي - كما تقدم عنه - أنَّ المراد به ما يقوله ويحلفه ، وينذره في المستقبل ، فكذلك الصلاة واللعن . واعلم أنَّ العبد مبتلى بلسانه ، يلعن به من يغضب عليه ويمدح به مَن يرضى عنه . وكثيرًا ما يمدح مَنْ لا يستحق المدح ، ويلعن مَنْ لا يستحق اللعن . وقد ورد في غير حديث : أنَّ اللعنة إذا لم يكن الملعون بها أهلاً لها رجعت ( عَلَى ) ( * ) اللاعن . واللعنُ دعاء ، فربَّما أُجيب وأصاب ذلك الملعون . وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة التي لعنت بعيرَها أنْ ترسله ، وقال : " لا تصحبنا ناقةٌ ملعونة " ( 1 ) . وكان بعضُ السلف لا يدخل بيته بشيءٍ ملعون ، ولا يأكل من بيض دجاجةٍ يلعنها ، ولا يشرب من لبن شاة لعنها . قال بعضهم : ما أكلتُ شيئًا ملعونًا قط . وذكر ابنُ حامد من أصحابنا ، عن أحمد قال : مَن لعن عبده فعليه أن يُعتقه ، أو شيئًا من ماله : أنَّ عليه أن يتصدَّق . قال : ويجيءُ في لعن زوجته أنَّه ( يلزمه ) ( * * ) أن يطلقها ؛ ويشهد لها - في الزوجة - وقوعُ الفرقة بين المتلاعنين ، لمَّا كان أحدُهما كاذبًا في نفس الأمر قد حقَّت عليه اللعنةُ والغضب . فَإِذَا قدمُ العبدُ من أول نهاره في دعائه : أنَّ ما لعن من لعن ، فإنَّه لاحقٌ بمن لعنه الله ، وما أثنى من ثناء فهو لاحق بمن أثنى عليه الله . فقد خلص بذلك من إثم لعن من لا يستحق اللعن ، أو مدح من لا يستحق المدح ، إذا وقع ذلك سهوًا أو غلطًا ، أو عن قوة غضب ونحوه . فأمَّا من ( يتعمد ) ( . . . ) ذلك عن علمه بالحال ففي دخوله في هذا الشرط نظر ، مع أنَّ عموم اشتراطه يقتضي دخوله فيه .
--> ( * ) إِلَى : " نسخة " . ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2596 ) . ( * * ) عليه : " نسخة " . ( . . . ) تعمد : " نسخة " .